من الخيمة إلى الأمل «دار الرجاء» يصنع حياة جديدة لأيتام غزة وأمهاتهم

من الخيمة إلى الأمل «دار الرجاء» يصنع حياة جديدة لأيتام غزة وأمهاتهم


من الخيمة إلى الأمل
«دار الرجاء» يصنع حياة جديدة لأيتام غزة وأمهاتهم

غزة / تقرير رامي الغف

في قطاع غزة الذي أثقلت الحرب كاهله، ودمرت البيوت والمدارس والمرافق العامة، لم تعد الخيمة مجرد مكان للنوم، بل أصبحت عنوانًا لواقع جديد فرضته الحرب على آلاف العائلات النازحة.

لكن في منطقة الزوايدة، يحاول مخيم دار الرجاء أن يقدم صورة مختلفة؛ صورة تقول إن الإنسان يستطيع، رغم الألم، أن يصنع من مساحة النزوح مجتمعًا صغيرًا للحياة، وأن يحول الخيمة من عنوان للفقدان إلى مساحة للأمان والتعليم والعمل والأمل.

جاءت فكرة دار الرجاء استجابة للظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة، وخصوصًا الأطفال الأيتام والأمهات الشابات اللواتي فقدن أزواجهن خلال العدوان، بهدف توفير حياة أكثر كرامة وأمانًا لهذه الأسر، ومساعدتها على تجاوز آثار الحرب والبدء من جديد.

أكثر من مأوى
دار الرجاء ليست مجرد مساحة لإيواء النازحين أو توفير الاحتياجات الأساسية، وإنما نموذج لمجتمع يحاول أن يدير نفسه بنفسه.

فالأمهات المقيمات في المخيم لسن مجرد مستفيدات من المساعدات، بل أصبحن جزءًا من منظومة العمل والإدارة اليومية.

هنا تتحول الأرملة إلى معلمة، حين تساهم في تعليم الأطفال داخل الصفوف المؤقتة، وإلى طاهية حين تشارك في إعداد الطعام،

وإلى حامية حين تساهم في الحفاظ على النظام والنظافة والأمان، وإلى منتجة عندما تمارس مهاراتها في الزراعة أو الحرف اليدوية وغيرها.

وتطبخ الأمهات أكثر من ألف وجبة شهريًا للعائلات، في مشهد يحمل رسالة تتجاوز الطعام نفسه؛ رسالة مفادها أن الإنسان النازح يستطيع أن يكون منتجًا وقادرًا على المشاركة، وليس مجرد متلقٍ للمساعدة.

التعليم في الخيام
وسط انهيار جزء كبير من العملية التعليمية في غزة، تحاول دار الرجاء تعويض الأطفال عن بعض ما فقدوه.

ويضم المخيم ثلاثة صفوف تعليمية مؤقتة، إلى جانب أنشطة ترفيهية وبرامج للتفريغ النفسي، في محاولة لمنح الأطفال فرصة لاستعادة شيء من طفولتهم التي سرقتها الحرب.

فالأطفال في دار الرجاء لا يحصلون فقط على الدروس، بل يجدون مساحة للعب والتفاعل والتعبير عن مشاعرهم، في بيئة تسعى إلى إعادة بناء شعورهم بالأمان والانتماء.

وتندرج هذه الجهود ضمن مبادرات مثل «التعليم في الخيام»، التي تحاول مواجهة أزمة الفاقد التعليمي في ظل تضرر المدارس والجامعات والمنشآت التعليمية.

الأمان قبل كل شيء
أقيم دار الرجاء على مساحة تبلغ نحو 4000 متر مربع في منطقة الزوايدة، ويضم 40 خيمة مجهزة، ودورات مياه، ومطبخًا، وعيادة طبية، وخدمات للدعم النفسي.

كما يعتمد المخيم على الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء، ويوفر شبكة إنترنت، إضافة إلى بئر مياه لتلبية احتياجات السكان في ظل صعوبة الحصول على المياه النظيفة.

ولا تتوقف منظومة الحماية عند توفير المكان، إذ يضم المخيم طاقم حراسة يعمل على مدار الساعة، إلى جانب طاقم متخصص في إدارة المخيم والمتابعة والتقييم وإعداد التقارير الدورية حول الاحتياجات والمشكلات.

الصحة والدعم النفسي
الحرب لم تترك آثارها على أجساد الغزيين فقط، بل خلفت جراحًا نفسية عميقة، خصوصًا لدى الأطفال والنساء الذين فقدوا منازلهم وأفرادًا من أسرهم.

ولهذا يضم دار الرجاء طبيبًا عامًا مقيمًا، إلى جانب خدمات للدعم النفسي وعيادة متخصصة، فضلًا عن دوائر الدعم النفسي للنساء والأطفال.

والفكرة هنا أن التعافي لا يبدأ بإعطاء الإنسان الطعام والماء فقط، وإنما بمنحه أيضًا الشعور بأنه ليس وحيدًا، وأن هناك من يسمعه ويهتم به ويشاركه ألمه.

أرقام تقول الكثير
وفي إطار قياس أثر التجربة والاستماع إلى السكان، أجرت جمعية العطاء فلسطين في أبريل 2024 مسحًا لتقييم الخدمات وتحديد الفجوات.

وأظهرت النتائج أن 95% من الأمهات شعرن بالأمان، و92% لاحظن تحسنًا نفسيًا لدى أطفالهن، بينما قيّمت 90% من الأمهات الطعام والخدمات بين جيد وممتاز.

وبعيدًا عن الأرقام، تبقى القيمة الحقيقية للتجربة في قدرة المخيم على تحويل السكان من متلقين للمساعدة إلى شركاء في إدارة حياتهم اليومية.

الأطفال.. قلب دار الرجاء
وفي جانب آخر من التجربة، تواصل جمعية عطاء غزة تنظيم أنشطة للأطفال داخل دور رعاية الأيتام وفي إطار «مخيم الرجاء»، لتوفير مساحة آمنة للعب والترفيه والتعلم والدعم النفسي.

هناك، تصبح اللعبة وسيلة للتعافي، والنشاط مساحة للتعبير، والوجبة الساخنة رسالة حب واهتمام.

فكل وجبة تصل إلى طفل، وكل نشاط يمنحه فرصة للضحك، وكل لحظة يشعر فيها بالأمان، تمثل محاولة لاستعادة جزء من طفولة حرمته الحرب منها.

الأمل الذي تصنعه الأمهات

ربما تكون أكثر الصور الإنسانية تأثيرًا في دار الرجاء هي صورة الأم التي فقدت زوجها، لكنها لم تفقد قدرتها على الاستمرار.

أم تطبخ لعائلتها وللآخرين.
أم تعلم الأطفال.
أم تساهم في حماية المخيم.
أم تتعلم حرفة جديدة.
وأم تحاول أن تربي أبناءها وسط واقع قاسٍ، وهي تقول لهم بالفعل قبل الكلمات: الحياة لم تنتهِ.


وهنا تكمن فلسفة دار الرجاء؛ فالتمكين ليس شعارًا، وإنما محاولة عملية لإعادة بناء قدرة الأسرة على الاعتماد على ذاتها، وتحويل الألم إلى طاقة للعمل والإنتاج.

نموذج قابل للتوسع
يسعى القائمون على التجربة إلى تكرار نموذج دار الرجاء في مناطق أخرى من قطاع غزة، بهدف احتضان المزيد من الأطفال الأيتام والأمهات اللواتي فقدن أزواجهن ولا يجدن سندًا.

وتبرز أهمية هذه التجربة في وقت تواجه فيه غزة تحديات هائلة تتعلق بإعادة الإعمار، والتعليم، والبطالة، والصحة النفسية، وتأمين المأوى، وإعادة بناء المجتمع.

فإعادة الإعمار لا تعني إعادة بناء الحجر فقط، وإنما إعادة بناء الإنسان أيضًا.

إدارة تصنع الفرق
ويقود العمل داخل المخيم مدير المخيم أسامة شعبان، بمشاركة نائبته السيدة ولاء جودة، وعضو مجلس الأمناء السيد هاني الرواغ، إلى جانب الطواقم المتخصصة والمتطوعين والعاملين في مختلف القطاعات.

وتحاول إدارة المخيم بناء نموذج يقوم على المشاركة والمسؤولية المشتركة، بحيث يشعر السكان بأنهم أصحاب دور في المكان وليسوا مجرد ضيوف مؤقتين فيه.

غزة تحتاج إلى نماذج لا إلى خيام فقط
في غزة اليوم، هناك آلاف الخيام التي تؤوي عائلات فقدت منازلها، لكن الحاجة الحقيقية تتجاوز سقف الخيمة.

الناس يحتاجون إلى الأمان، والتعليم، والرعاية الصحية، والدعم النفسي، والعمل، والكرامة.


ومن هنا تأتي أهمية تجربة دار الرجاء؛ لأنها تحاول أن تقول إن المخيم يمكن أن يكون أكثر من مكان للعيش المؤقت، وأن يتحول إلى مساحة لإعادة بناء الإنسان وتمكينه.

دار الرجاء ليست قصة خيام فقط، بل قصة أمهات رفضن أن يكون الفقد نهاية حياتهن، وأطفال يحاولون استعادة طفولتهم، ومجتمع صغير يحاول أن يصنع من وسط الركام بداية جديدة.

وفي غزة، حيث يبدو الأمل أحيانًا بعيدًا، قد تكون أبسط الأشياء — وجبة ساخنة، درس في خيمة، لعبة طفل، أو ابتسامة أم — هي الخطوة الأولى نحو حياة جديدة.



هنا لا تُبنى الخيام فقط... هنا يُبنى الأمل.


 

شارك

تبرع الآن عطاؤك يزرع الأمل